الصفحة الأساسية > إنجازات (1962- 2012) > سكن > حصيلة قطاع السكن و العمران: برنامج طموح منذ الاستقلال

حصيلة قطاع السكن و العمران: برنامج طموح منذ الاستقلال

اجتاز قطاع السكن و العمران عدة مراحل خلال السنوات الخمسين الأخيرة. فطوال كامل هذه الفترة، كانت جهود الدولة تهدف إلى الاستجابة للطلب الوطني في مجال السكنات من خلال برامج بناء عدة بحيث أنها حاولت التحكم في تعمير التراب الوطني. لم تفض هذه السياسة دوما إلى نتائج بالنظر إلى التحديات العديدة التي واجهتها الدولة الحديثة النشأة على جبهات عدة.

إبان الفترة الاستعمارية، كان بناء السكنات يعود على عاتق المؤسسات الخاصة الفرنسية لكن السكن أضحى، بعد اندلاع الثورة التحريرية، وسيلة ضغط سياسي بين أيدي السلطات الاستعمارية. فقد أعدت مشاريع بناء كبرى و أنجزت لفائدة الآلاف من الجزائريين "المحليين" وفقا لإستراتيجية تهدف إلى كسر الكفاح المسلح من أجل الاستقلال.

بعد الاستقلال، ورثت الجزائر وضعا صعبا في هذا القطاع: عدم استكمال 42000 سكن من بينها 38000 متواجدة في المدن فضلا عن رحيل معظم مؤسسات الانجاز و المهندسين و التقنيين الأجانب الذين كانوا يشرفون على القطاع و وقف إنتاج مواد البناء و نفاذ مصادر التمويل و تدمير عدد كبير من القرى إبان الحرب و الزحف المكثف للسكان نحو المدن و عودة اللاجئين (أكثر من واحد مليون شخص).

و لمواجهة هذا الوضع، أعد برنامج لبناء السكنات لاسيما في الأرياف في نوفمبر 1962 غير أن العملية لقيت صعوبات في التنظيم و نقص التمويل علما أن الغلاف المالي الذي خصص لها لم يتجاوز 3 ملايين دج.

لكنه و بفضل المصادقة على ميثاق الجزائر العاصمة في أفريل 1964 بمناسبة أول مؤتمر لحزب جبهة التحرير الوطني منذ الاستقلال، تم إعداد حصيلة القطاع و تحديد الآفاق.

ميثاق الجزائر العاصمة: وجوب انجاز 140.000 سكن سنويا

يعترف الميثاق بأن "السكنات التي هجرها الأوروبيون أصبحت غير كافية" كما اعترف "بتعذر توفير سكنات لائقة لكافة العائلات في فترة وجيزة لأن مثل هذه المبادرة قد تؤدي إلى نفاذ الموارد الوطنية".

و قصد الاستجابة للطلب الوطني الذي ما فتئ يتزايد في مجال السكن، اعتبر محررو الميثاق أنه ينبغي ارتقاب انجاز 75.000 سكن جديد سنويا في المدن و أكثر من 65.000 في الأرياف، أي مجموع 140.000 وحدة سنويا.

و انطلاقا من سنة 1966، تمت الموافقة على آليات جديدة تسهل تمويل انجاز السكنات. فقد استفاد سكان ستة ولايات من شمال الوطن من عملية توزيع أدوات البناء علاوة على برنامج عام لإعادة توطين العائلات في الأرياف لفائدة المستثمرات الفلاحية. و فضلا عن ذلك، تم تكليف المؤسسات الوطنية الجديدة بمهمة استكمال مختلف مشاريع البناء و هو تحدي تمكنت من رفعه. فقد تم استكمال أحياء بأكملها بمساعدة اليد العاملة الجزائرية. لكن تسليم هذه المشاريع غير المستكملة لم يكن كافيا بالنظر إلى الطلب المرتفع.

المخطط الرباعي الأول 1970-1973:

مع نهاية الستينات، اختارت الدولة تخطيط تطور كل قطاع نشاط. بوشرت هذه السياسة سنة 1970 مع تطبيق أول مخطط رباعي (1970-1973).

و تمثل هدف هذا المخطط في مجال البناء في توفير شروط إطار معيشي حسن للعائلات من خلال انجاز سكنات جديدة و مختلف التجهيزات العمومية الضرورية. كان من المقرر انجاز 45.000 سكن حضري لكنه لم يتم انجاز سوى 18.000 وحدة فقط. في الأرياف، برمج المخطط 40.000 سكن غير أنه لم يتم انجاز سوى 24.000 سكن مع نهاية 1973.

فما بين 1970 إلى 1973، كانت وتيرة انجاز مشاريع السكنات العمومية جد بطيئة. لم تكن شروط تكفل فعلي و نوعي للطلب الوطني في هذا المجال متوفرة بعد. فقد كانت الميزانية التي خصصت للقطاع في المخطط الرباعي الأول تقدر بنسبة 5 بالمائة من الغلاف الإجمالي و هي نسبة جد ضعيفة مقارنة بما تم تخصيصه لقطاعات أخرى.

و موازاة مع إطلاق المخطط، قررت الحكومة آليات جديدة لتمويل بناء السكنات، من خلال تجنيد الادخار الخاص للعائلات. فقد كان بإمكان هؤلاء الاستفادة من سكن عائلي أو الاستفادة من قروض بنكية لانجازه بفضل ادخارهم. و من جهة أخرى، سهرت السلطات العمومية على رفع الطاقات الوطنية لإنتاج مواد البناء و تعزيز الإمكانيات المادية و التقنية لمختلف المؤسسات المتدخلة في القطاع على مستوى الوطن أو على المستوى الإقليمي.

و فيما يتعلق بالتجهيزات العمومية، سمح أول مخطط رباعي لاسيما ببناء جامعة قسنطينة و جامعة العلوم و التكنولوجيا للجزائر العاصمة التي أصبحت جامعة العلوم و التكنولوجيا هواري بومدين.

المخطط الرباعي الثاني 1974-1979

أعطى المخطط الرباعي الثاني حركية جديدة في قطاع السكن. فقد حث النمو الديمغرافي الذي شهده الوطن آنذاك الحكومة على منح اهتمام خاص له بحيث أن ميزانية القطاع انتقلت من 5 بالمائة خلال المخطط الرباعي الأول إلى 13 بالمائة في إطار هذا المخطط الثاني.

سمحت هذه الميزانية ببرمجة 100.000 سكن جديد في الوسط الحضري تم تسليم 90.000 منها. و تمثل الهدف في بلوغ طاقة انجاز قدرها 100.000 وحدة سنويا ابتداء من سنة 1980. و للحد من الزحف الريفي الذي بلغ أوجه آنذاك، تقرر انجاز 300 قرية اشتراكية فلاحية في الأرياف و تشجيع البناء الذاتي.

و كانت هذه القرى الاشتراكية الفلاحية المنجزة البالغ عددها 300 تمثل ثلث مجموع القرى الاشتراكية الفلاحية المبرمجة و المقدرة عددها 1000 في إطار "الثورة الزراعية". كانت كل قرية تضم 175 سكن يأوون قرابة 1500 شخص أي بمعدل 8 أشخاص لكل سكن. و فضلا عن ذلك، تقرر انجاز 20.000 سكن ريفي في إطار توسيع القرى الاشتراكية الفلاحية و 40.000 سكن في إطار البناء الذاتي.

و من حيث الجانب التشريعي، كان مختلف المتدخلون في القطاع يطبقون التنظيم الموروث عن الحقبة الاستعمارية التي أعيد تطبيقها غداة الاستقلال إلى غاية 1973.

ففي سنة 1975 و بموجب قرار، تم وضع مخططات مديرة للعمران سمحت بتجاوز مشكل وفرة العقار الضروري لإعداد برامج البناء.

و سمح مجموع 398 مخطط مدير تم إعدادها تطبيقا لهذا التنظيم بتخصيص حركية أكبر في تطوير قطاع السكن. لكنه و أمام تفاقم أزمة السكن التي استدعت وضع إجراءات طارئة، برمجت الحكومة، في إطار المخطط الرباعي الثاني، انجاز 275 منطقة للسكنات العمرانية الجديدة عبر كامل الوطن. و كانت مناطق السكنات العمرانية الجديدة تعتبر آنذاك كأداة متميزة لتعمير التراب الوطني. و قد سمحت هذه السياسة بتطور المدن.

و من خلال انجاز 275 منطقة للسكنات العمرانية الجديدة ، تحسن تزويد المدن بالتجهيزات نوعا ما بيد أن جودة الانجاز لم تبلغ المستوى المنشود. فقد كانت العقارات تتدهور بشكل سريع و كانت مخططات الهندسة المعمارية تفتقر إلى الإبداع كما أن السكان كانوا يعانون من نقص الخدمات لاسيما النقل.

و موازاة مع ذلك، تم إطلاق الأشغال من أجل تهيئة المناطق الصناعية. و عند انتهاء المخطط الرباعي الثاني، تمت تهيئة المناطق الصناعية على مساحة إجمالية قدرها 15.000 هكتار. و تم ذلك في غياب أية سياسة لتهيئة الإقليم.

تميزت السكنات و التجهيزات العمومية المنجزة ما بين 1970 و 1979 بنقصها مقارنة بالحاجيات و نقص وسائل العمل و صعوبة تسيير مؤسسات الانجاز و نقص اليد العاملة المؤهلة و التأطير التقني و غياب التنسيق بين قطاع السكن و القطاعات الأخرى و عدم التحكم في التعمير.

و يشير المختصون إلى أن هذين المخططين الرباعيين كانا يشكلان مرحلة هامة في تطوير قطاع السكن في الجزائر لكن الضغط المتواصل على السكن لم يسمح ببلوغ الأهداف في مجال جودة السكن.

المخطط الخماسي الأول 1980-1985

بدء من سنة 1980، تم تحديد رهانات أزمة السكن في الجزائر و وسائل الحد منها. فقد انتقلت ميزانية القطاع إلى 60 مليار دج أي 15 بالمائة من ميزانية الدولة. اتخذت قرارات سياسية هامة قصد رفع مشكل السكن لمستوى الأولويات الوطنية الرئيسية.

و تضمن المخطط الخماسي الأول (1980-1985) في مجال البناء انجاز 450.000 سكن: 300.000 وحدة في المدن (خصصت لها قيمة 45 مليار دج) و 150.000 في الأرياف. ضف إلى ذلك 250.000 وحدة مبرمجة من قبل متعاملين خواص.

كما برمج انجاز 300 مخطط عمراني و 350 منطقة عمرانية مؤقتة و 200 منطقة للسكنات العمرانية فضلا عن 47 منطقة صناعية.

و مع بداية انجاز المخطط الخماسي الأول، تسجل الجزائر أقوى زلزال منذ الاستقلال. فقد شهد محور الأصنام (الشلف) و عين الدفلى و البليدة و الجزائر العاصمة هزة أرضية يوم 10 أكتوبر 1980 خلفت خسائر مادية معتبرة. و لمواجهة انعكاسات هذه الكارثة الطبيعية، تمت تعبئة كافة الوسائل التي كان يتوفر عليها قطاع السكن في إعادة إعمار ولاية الشلف. و من جهة أخرى، أنجزت عدة تجهيزات عمومية في إطار المخطط الخماسي الأول على غرار مقام الشهيد الذي يطل على العاصمة و قصر الثقافة.

المخطط الخماسي الثاني 1985-1989

صادف إعداد المخطط الخماسي الثاني الأزمة العالمية التي مست قطاع المحروقات منذ سنة 1986. فقد دخلت الجزائر آنذاك في فترة ركود اقتصادي يعود سببه إلى تبخر عائداتها بالعملة الصعبة التي كانت تتوقف أساسا على أسعار النفط. فقد تقلصت الميزانيات التي خصصت لقطاعات نشاط مختلفة بشكل كبير. و تسببت الأزمة التي دامت سنوات عدة في تغيير جذري في تطوير قطاع السكن.

و انطلاقا من سنة 1986، قررت الحكومة تقليص حصة الدولة في تمويل انجاز السكنات.

و بفضل المخطط الخماسي الثاني، تم استلام 298.000 سكن في المدن منها 216.000 وحدة مسجلة في إطار المخطط الخماسي الأول (1980-1985) و 244.000 سكن في الأرياف منها 140.000 وحدة تابعة للمخطط السابق. هذا ما يعني بأن القطاع لم ينجز سوى 82.000 سكن حضري جديد و 104.000 وحدة ريفية. تضاف إلى ذلك حصة تضم 68.000 وحدة من انجاز متعاملين خواص.

تدمير 60 بالمائة من التجهيزات العمومية خلال التسعينات

بعد شهر أكتوبر 1988 و أمام استمرار الأزمة الاقتصادية التي ما فتئت تتفاقم، وعدت الحكومة بإصلاحات سياسية و اقتصادية و اجتماعية. فقد راهنت على قطاع السكن لإطلاق الآلة الاقتصادية و استحداث مناصب الشغل و الاستجابة للمطالب ذات الطابع الاجتماعي و تحسين الظروف المعيشية للسكان.

اتخذت قرارات سياسية لتجاوز هذه الفترة الحساسة التي كان يعيشها الوطن لكنه تعذر ذلك أمام مدى الأزمة التي مست كافة قطاعات النشاط بحيث أن الاقتصاد كان متوقفا على المحروقات.

و ابتداء من سنة 1990، شهد البلد مراحل سوداء بسبب اللااستقرار السياسي و الاقتصادي و اللاأمن. فلم يسمح ركود الاقتصاد بتمويل مختلف المخططات التنموية التي كان البلد بأمس الحاجة إليها. بالعكس، تم تدمير 60 بالمائة من التجهيزات العمومية و المنشآت القاعدية خلال فترة اللاأمن هذه.

بالرغم من ذلك، تم إطلاق مشاريع بناء بمشاركة مواطنين في التمويل من خلال ادخارهم. فما بين سنتي 1990 و 1997، أنجزت 800.000 وحدة: أكثر من 600.000 وحدة في المدن و 190.000 في الأرياف.

و خلال نفس الفترة، تمت المصادقة على تنظيم جديد غيّر تماما مناهج التسيير في قطاع السكن و العمران و تم تطبيقه. فقد تقرّر بموجب القانون المتعلق بالتهيئة و العمران المؤرخ في ديسمبر 1990 استبدال المخططات المديرة بمخططات مديرة للتهيئة و العمران. تحدد المخططات المديرة للتهيئة و العمران، على مستوى البلديات، التوجهات الكبرى للتعمير. و من حيث الجانب الإداري، تم استحداث مديريات ولائية للعمران و مفتشيات للعمران.

و تعذر على الترسانة القانونية التي تم وضعها و إعادة التنظيم الإداري لمختلف مصالح المتابعة و المراقبة بلوغ أهدافها بسبب الأزمة السياسية و الأمنية التي كان يعيشها البلد آنذاك.